ابن عربي

362

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

في خلقه ، وبما يكون عليه سبحانه في نفسه ومما يصف به نفسه مما يحيله عليه العقل إذا انفرد بدليله دون الشارع ، فالعاقل الحازم يقف ذليلا مشدود الوسط في خدمة الشرع ، قابلا لكل ما يخبر به عن ربه سبحانه وتعالى مما يكون عليه ومنه . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 243 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 243 ) المراد هنا الفضل العام والخاص لما كان الناس يفضل بعضهم بعضا والرسل تفضل بعضهم بعضا « وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ » فإن عين الشكر عين النعم ، ومن النعم دفع النقم ، كم نعمة للّه أخفاها شدة ظهورها ، واستصحاب كرورها على المنعم عليه ومرورها ، وهم في غفلة معرضون ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، بل لا يشعرون بل لا يشكرون .

--> يقول : إن حكم المطلقة ما هو حكم المتوفى عنها زوجها ، وهو عموم في جميع المطلقات ، وهذه مسألة خلاف بين العلماء ، فمن الناس من قال : إن المتاع هنا نفقة العدة ، ومنهم من قال : هي في غير المدخول بها كما تقدم ، ومنهم من قال : واجبة في كل مطلقة ، وقوله تعالى : « حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ » أي واجبة على من يتقي اللّه فيفعل ما أوجب اللّه فعله عليه ، والظاهر لو أراد بهذه الآية ما أراد بالأولى التي هي غير المدخول بها التي لم يفرض لها لكانت خلية عن الفائدة ، فالأوجه أن يكون مثل الأولى في الوجوب في غير المدخول بها ، وفي المدخول بها على الاستحباب والندب من اللّه إلى ذلك ، والتقي يبادر إلى ما ندبه اللّه إليه مبادرته إلى الواجب على السواء ، إيثارا لما اختاره اللّه له وإن لم يجب عليه ، فإن المتقي يوجبه على نفسه ، ومن ألزم نفسه طاعة ألزمه الشارع إياها فلذلك قال : « حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ » أي واجبا ، وما كل مؤمن ذا تقوى ، وفي غير المدخول بها واجب ولا بد ، ثم قال : ( 243 ) « كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ » أي يظهر لكم « آياتِهِ » أي العلامات التي تستدلون بها على الأحكام ، أو يقول : كما بينت لكم الأحكام بما أنزلته عليكم في الكتاب ، مثل ذلك يبين اللّه لكم آياته التي جاءت بها الأنبياء دلالات على صدقهم ، وقوله : « لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » أي تقيّدون أنفسكم بالعمل بها ، مأخوذ من العقال ، فلا تسرحوا إلا فيما سرحكم الشرع فيه ، ثم قال : ( 244 ) « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا